ابن كثير

130

البداية والنهاية

وفي دون ما عاينت من فجعاتها * إلى دفعها داع وبالزهد آمر فجد ولا تغفل وكن متيقظا * فعما قليل يترك الدار عامر فشمر ولا تفتر فعمرك زائل * وأنت إلى دار الإقامة صائر ولا تطلب الدنيا فإن نعيمها * وإن نلت منها غبه لك ضائر فهل يحرص عليها لبيب ، أو يسر بها أريب ؟ وهو على ثقة من فنائها ، وغير طامع في بقائها ، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات ، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات : ألا لا ولكنا نغر نفوسنا * وتشغلنا اللذات عما نحاذر وكيف يلذ العيش من هو موقف * بموقف عدل يوم تبلى السرائر كأنا نرى أن لا نشور وأننا * سدى مالنا بعد الممات مصادر وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها ، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها ، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها ، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها . أما قد نرى في كل يوم وليلة * يروح علينا صرفها ويباكر تعاورنا آفاتها وهمومها * وكم قد ترى يبقى لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن * ولا هو عن تطلا بها النفس قاصر كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها ، وصرعت من مكب عليها ، فلم تنعشه من عثرته ، ولم تنقذه من صرعته ، ولم تشفه من ألمه ، ولم تبره من سقمه ، ولم تخلصه من وصمه . بل أوردته بعد عز ومنعة * موارد سوء ما لهن مصادر فلما رأى أن لا نجاة وأنه * هو الموت لا ينجيه منه التحاذر تندم إذ لم تغن عنه ندامة * عليه وأبكته الذنوب الكبائر إذ بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسر على ما خلف من دنياه ، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار ولا ينجيه الاعتذار ، عند هول المنية ونزول البلية . أحاطت به أحزانه وهمومه * وأبلس لما أعجزته المقادر فليس له من كربة الموت فارج * وليس له مما يحاذر ناصر وقذ جشأت خوف المنية نفسه * ترددها منه اللها والحناجر هنالك خف عواده ، وأسلمه أهله وأولاده ، وارتفعت البرية بالعويل ، وقد أيسوا من العليل ، فغمضوا بأيديهم عينيه ، ومد عند خروج روحه رجليه ، وتخلى عنه الصديق ، والصاحب الشفيق .